احتفاء جريدة القاهرة بعميد الأدب العربي طه حسين

احتفى العدد الجديد من جريدة “القاهرة” الصادرة عن وزارة الثقافة، بالمسيرة الأدبية لعميد الأدب العربي الدكتور الراحل طه حسين.
ومع مرور أكثر من خمسة عقود على رحيل طه حسين، لا تزال أفكاره ومسيرته تشكل منارة في تاريخ الفكر العربي الحديث. إرثه يبقى شاهداً على كفاح متواصل من أجل المعرفة والتحرر والانفتاح الثقافي وسط عواصف من الجدل والنقد لم تثنه عن مضيه في طريق التحديث الذي آمن به.
بداية حياة طه حسين
ولد طه حسين علي بن سلامة في الرابع عشر من نوفمبر عام 1889 في إحدى قرى مغاغة بمحافظة المنيا في صعيد مصر. هذا الطفل كان مقدراً له أن يصبح أحد أعظم من أضاءوا شعلة الفكر في العالم العربي الحديث. واجه طه حسين في سن مبكرة أولى صعوبات الحياة القاسية عندما أصيب بالرمد وفقد بصره بسبب جهل العلاج في ذلك الوقت. لكن هذه الإعاقة لم تضعف من عزيمته بل زادتها صلابة، فأتم حفظ القرآن الكريم في كتاب القرية بسرعة مذهلة.
هذه البداية المتواضعة والقاسية هي المحطة الأولى في رحلة رجل كرس حياته لتحرير العقل العربي والاعتزاز بموروثه الحضاري، مؤمناً بأن التنوير هو السبيل الوحيد للنهضة.
التحصيل العلمي
التحق عميد الأدب العربي بجامعة الأزهر عام 1902 طلباً للعلم، حيث تعلم النحو والفقه والبلاغة. وعندما فتحت الجامعة المصرية أبوابها عام 1908، كان من أوائل المتنسبين إليها. هناك وجد المناخ الفكري الذي ينشده، فدرس العلوم العصرية والحضارة الإسلامية واللغات الشرقية، وحصل على الدكتوراه الأولى عام 1914 عن “أبي العلاء المعري”، والتي أثارت بدورها جدلاً كبيراً في الأوساط الدينية والسياسية، واتهم بالمروق والزندقة بسببها، مما كان إيذاناً ببدء سلسلة من المعارك الفكرية التي رافقته طوال حياته.
التعليم في فرنسا
أوفد طه حسين إلى فرنسا ليكمل تعليمه، فالتحق بجامعة مونبيلييه وحصل على الدكتوراه الثانية عام 1918 عن “الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون”، كما حصل على دبلوم في الحضارة الرومانية.
حدث التحول الشخصي الأهم في حياة طه حسين بفرنسا، حيث التقى بالسيدة سوزان بريسو، التي لم تكن مجرد زوجة تتولى قراءة الكتب له، بل كانت رفيقة درب ومستشارة، ساعدته على اقتحام آفاق الثقافة الغربية، وقد أنجب منها لاحقاً ابنته أمينة وابنه مؤنس.
المسيرة العملية
انخرط عميد الأدب العربي الدكتور الراحل طه حسين في الحياة العملية بعد عودته إلى مصر عام 1919، فتدرج في المناصب الأكاديمية، بدءاً من كونه أستاذاً للتاريخ ثم الأدب العربي، ثم عميداً لكلية الآداب، ثم مديراً لجامعة الإسكندرية، وصولاً إلى ذروة مسيرته الإدارية عندما أصبح وزيراً للمعارف في يناير عام 1950. في هذا المنصب الرفيع، كرس جهوده لتحقيق شعاره الخالد “التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن”، فقاد دعوة تاريخية لمجانية التعليم وإلزاميته، وعمل على تحويل الكتاتيب إلى مدارس ابتدائية. كان له الفضل في تأسيس عدد من الجامعات المصرية، مجسداً بذلك إيمانه الراسخ بأن العلم هو أساس أي تنوير حقيقي.
تظل مسيرة طه حسين مثالاً يُحتذى به في السعي نحو المعرفة والتنوير، حيث ترك إرثاً ثقافياً غنياً يستمر في إلهام الأجيال.








